عبد الكريم الخطابي..... الملوك الثلاثة

عبد الكريم الخطابي..... الملوك الثلاثة
".. في زمن أصيب فيه المغرب بانحناءات والتواءات في مسيرة تاريخه، وأصيب في الشعب بالكساح )الشلل)، وفي الوقت الذي طغى فيه الاستعمار بالإكتساح، متسابق أهل الذوق والتذوق وأهل الباع والتموقع للإحتماء ب "بردة " السادة الجدد القادمين من وراء الحدود، "متشحين برداء الارتخاء والانحناء أمام الوقائع، معتقدين أنهم نجوا بالتوقيع والترقيع، وفضل كل ذي أمر ان يطلب السلامة والإستسلام بلا مبرر أو تبرير، وسقط الستار عن المستور .. في ذلك الزمن الأغبر والامتحان الأكبر، كانت قرية أجدير غير البعيدة عن مدينة الحسيمة، الواقعة في قلب بني ورياغل الشهيرة عبر تاريخها كرمز للجهاد وعنوانا لحماية البلاد، من غزاة متفوقين في العدد والعتاد.. في تلك القرية ولد محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1882 .."

إنه مقتطف من سطور شهادة الميلاد التاريخي لعبد الكريم الخطابي، الثائر الشهير على الاستعمار أوائل القرن الماضي، مقتطفة من الكتاب الصادر حديثا، ضمن سلسلة منشورات الجريدة المحلية بالحسيمة "تيفراز ناريف " للمؤرخ علي الإدريسي، ونضيف إليه - أي المقتطف – صنو آخر عن شهادة الميلاد السياسي لعبد الكريم الخطابي نقلا عن نفس المصدر :

" .. كان المشهد السياسي ينم عن احتضار استقلال المغرب . وقد بدأ هذا الاحتضار منذ أن اكتشفت عورة المخزن في معركة إيسلي مع الفرنسيين سنة 1844 ومع الإسبان سنتي 1859/1860 في معركة احتلال تطوان وتداعياتها، واتفاقيتي طنجة في غشت 1844 وللا مغنية الخاصة برسم الحدود مع المستعمرين للجزائر سنة 1845 . وموازاة مع ذلك ازداد نفوذ الدول الاستعمارية على السياسة المغربية بتقليص حدود الوطن، وبإرغام المخزن على توقيع عدد من الاتفاقيات التي تقلل من سلطاته وصلاحياته، ودفع وتشجيع عدد كبير من المواطنين المغاربة، أصحاب النفوذ او الكفاءة، على التمرد على سلطة المخزن، من خلال تمكنهم من الحصول على الحمايات والجنسيات الأجنبية، وهم على لأرض المغرب. ومن ثم أصبح في المغرب سلطتان: سلطة الدولة الأجنبية وقوانينها، التي لا تعترف بالمحاكم المغربية، ونظام القضاء المخزني، وسلطة المخزن المنحصرة في امتصاص ما تبقى من دم في عروق ساكنة القبائل المغربية، من اجل الحفاظ على مستوى الرفاهية داخل قصور تلك السلطة، التي لم يعد لها شيء تفعله إلا الانغماس في تلبية شهواتها ورغباتها غير المحدودة،..." (....) "..استفحلت الأطماع الأجنبية، وتقوت ضغوطها، مما أدى في نهاية المطاف بالسلطان عبد الحفيظ إلى توقيع معاهدة الحماية في 30 مارس سنة 1912 ليفقد المغرب الرسمي استقلاله ...".

إساءة مُبيتة

إذن هذه بضعة أسطر من شهادتي ميلاد عبد الكريم الخطابي وثورته مستهل القرن الماضي وبالتحديد بين سنوات 1921 و1926 ، حيث كانت هذه الفترة القصيرة نسبيا كفيلة بان تقلب المعادلة الاستعمارية بالمغرب رأسا على عقب، وذلك حينما تحول "منطق" الحماية من "التهدئة " المتسمة بالاستسلام الرسمي لمشيئة المستعمر، إلى حرب تحرير على القيادتين العسكريتين للحكومتين الفرنسية والاسبانية "بوصلة " ترسيخ أقدامهما على أرض المغرب ولا سيما بالشمال .

خمس سنوات إذن كانت كافية ليتحول شخص "لم يشتغل في حياته سوى بالصحافة والقضاء" كما لاحظ الإدريسي في كتابه المذكور - إلى أحد أشهر قادة حرب تحرير شعبية في القرن العشرين، ليتبوأ مكانة تقدير في الصدارة مع الثائر الأمريكي اللاتيني الشهير "تشي غيفارا" والمهاتما غاندي، ونيلسون مانديلا .

وكان مطلوبا أن يتم إنهاء الأسطورة الخارقة لانتصارات عبد الكريم الخطابي التي كانت قد أصبحت حينها نموذجا عالميا يحتدى بالنسبة لكل الشعوب المُستعمرة في الشرق والغرب. لذا تضافرت الجهود العسكرية الفرنسية والاسبانية ب "تنسيق" مع القوى الأوروبية المستفيدة من بقائها محتفظة بمصالحها في مستعمراتها عبر المعمور، من بوليفيا إلى الهند. وكان مثيرا حينها ان يخرج السلطان يوسف حينها من قصره بفاس ويشيع "أصدقاءه" من القادة العسكريين بهذه العبارة التي سجلتها أبهاء التاريخ: "خلصونا من شر هذا المتمرد " مسجلا بذلك سلسلة عداء طويلة مع الملكين العلويين الذين جاءا بعده: محمد الخامس والحسن الثاني. لقد كان مثيرا حقا للاستغراب من طرف أجيال المتعلمين والمتعلمات المغاربة الذي جاءوا بعد الاستقلال أن يلاحظوا كل ذلك "التجاهل" الذي خُصص لعبد الكريم الخطابي وذويه طوال السنوات التي قضاها في منفاه الاضطراري بجزيرة لاريينيون، في المرحلة الأولى، ثم في العاصمة المصرية القاهرة. وكان مدعاة للغرابة ألا يزور عبد الكريم الخطابي المغرب أبدا قيد حياته، كما أن هناك تلك التفاصيل الغريبة عن ضيق سعة العيش التي عاشها آل الخطابي سواء في مصر أو القاهرة ( ويجد القارئ بعض تفاصيلها ضمن هذا الملف نقلا عن كتاب الأستاذ الإدريسي ) مما يحيل على أن الإساءة للشخص - أي عبد الكريم الخطابي - كانت مبيتة، باعتباره، كما يؤكد ذلك ذ الإدريسي في حوارنا معه "كان حاملا لمشروع مجتمعي مناقض لما حفرت له وكرسته المؤسسة الملكية والمتحالفين معها ضمن ثنايا النسيج الحزبي والمخزني الذي تولى الأمور بعد الاستقلال ".

الحسن الثاني يقطع معاش آل الخطابي

في واقع الأمر تمنح العلاقة الإشكالية التي "استثبت " بين الحسن الثاني وعبد الكريم الخطابي الكثير من الدلالات عن أوجه التناقض بين الطرفين، فمن جهة نجد أن المؤسسة الملكية انصرف "همها" عقب الاستقلال إلى تثبيت عناصر الاستقرار المؤسسية بتنسيق مع المصالح الاستعمارية، والأطراف الحزبية والمصلحية التي كانت قد رسخت "مشروعيتها" السياسية والاقتصادية، في حين أن عبد الكريم الخطابي استمر من منفاه بالقاهرة على التنسيق مع قادة التحرير الشعبيين في بلدان المغرب العربي من أجل استكمال عناصر الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي، وبذلك اختلفت المنهجان منذ البداية فكانت القطيعة، هذا بالرغم من فترة الود القصيرة التي حدثت بين عبد الكريم الخطابي ومحمد الخامس عقب زيارة هذا الأخير للأول في بيته بالقاهرة. حيث كان يكفي أن يبدي عبد الكريم الخطابي رأيه في أول دستور اعتمده الحسن الثاني يوم خامس نونبر من سنة 1962 حتى استحكم العداء بين الطرفين، وباقي تفاصيل هذه العلاقة الإشكالية "صرفها" الحسن الثاني بالتقسيط، حيث سارع أول الأمر إلى قطع سبل العيش المادي الذي كان يصل لآل الخطابي من المغرب، كما محا كل ما كان يمت بصلة إلى فكرة الخطابي التحررية، بل وتم صد كل المحاولات التي بُذلت من طرف شخصيات عربية وإسلامية، لكي يكون لعبد الكريم الخطابي مكانة في بلاده كأن يعود ليعيش سنوات عمره الأخيرة، بين أهله وذويه، بل إنه حتى رفاته الراقد في مقبرة بالقاهرة لم يُسمح بدفنه في المغرب، وبذلك يكون عبد الكريم الخطابي قد حورب حيا وميتا .

وكما ذهب إلى ذلك جل مَن تناول موضوع علاقة عبد الكريم الخطابي، بالمخزن المغربي، وعلى رأسه الملك الحسن الثاني، فإن أسباب التنافر بين الطرفين كانت مستحكمة جدا، وعلى رأسها - كما سبقت الإشارة – ذلك المشروع التحرري الذي كان الخطابي يعمل طوال حياته على محاولة ترجمته على أرض الواقع، الأمر الذي كان بطبيعة الحال لا يتماشى مع طموحات استقرار الأوضاع للملكية والمتحالفين معها .

لا.. للاستعباد المخزني والاستعماري

لم يكن يخفي على الكثيرين من العارفين انه طوال السنوات الثمانية والثلاثين التي استغرقها حُكم الحسن الثاني، تم منع أي ذكر لعبد الكريم في الإعلام الرسمي، بل وتمت محاصرة ذكراه، ولكل ما يمت برابط لموضوع "التحرير والتحرر " الأكثر من ذلك أن الحسن الثاني كان يقول حينما يُؤتى على ذكر عبد الكريم وثورته ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي، بما يُفيد أن عبد الكريم كان "عميلا" لألمانيا في طموحاتها الإمبراطورية في شمال إفريقيا والعالم العربي، الأكثر من ذلك أن الحسن الثاني عرقل كل المساعي التي كان يقوم بها بعض سعاة الخير، من أجل عودة عبد الكريم الخطابي وأسرته للمغرب، ويحكي أكثر من مصدر مُطلع على الموضوع أن الحسن الثاني كان يحتد مزاجه حينما يسمع اقتراحات في الموضوع من بعض المقربين إليه، فبالرغم من كل معاناة اغتراب ذلك الرجل الكبير، ومشاكله المادية هو وأسرته، وهي التفاصيل التي كانت تصل أولا بأول للحسن الثاني، إلا أنه صد الباب على أية محاولة لإعادة الاعتبار للخطابي، ودعوته للرجوع إلى بلاده، كما أن تلك العداوة استمرت حتى بعد وفاة عبد الكريم الخطابي في شهر فبراير من سنة 1963 بمنفاه الاضطراري بالقاهرة، حيث إن مطلب دفن الرجل بمسقط رأسه في بلدة أجدير ووجه بالرفض المطلق، كما أن كل الذين استمروا في تغذية أمل إعادة رفات الخطابي قوبلوا بشكل سلبي، وهو الموضوع الذي ما زال "شائكا " لحد الآن، بين السلطة المغربية وما تبقى من آل الخطابي، كما أن الدكتور عمر الخطابي، ابن عبد السلام الخطابي، أخ عبد الكريم الخطابي، كان قد حاول تأسيس مؤسسة تعنى بحفظ ذاكرة عمه غير انه وُضعت أمامه عراقيل كثيرة منها مثلا "شراء" ضمائر الذين كان قد أتمنهم الدكتور عمر على مسألة بناء مقر يحتضن المؤسسة، فكانت النتيجة أن تهدمت الطوابق الثلاثة لهذه الأخيرة بسرعة، بمجرد وقوع زلزال الحسيمة ونواحيها أواخر شهر أبريل من سنة 2004 ، ولم يبق لحد الآن من حلم الدكتور عمر الذي رحل بدوره عن دنيانا، سوى أطلال بيت كان ممكنا أن يتحول إلى متحف في قلب مسقط رأس عبد الكريم الخطابي، لولا أن كل ذكر للخطابي، ما زال يثير "الرعب " ولو كان مجرد أسوار وأشياء تحيل على ذكراه .

وبطبيعة الحال كان هناك دائما أولئك المنتفعون من مغرب "معين" الذين عملوا بشتى الوسائل على تغذية حطب نار العداوة بين عبد الكريم الخطابي والحسن الثاني، وذلك بالتركيز مثلا على مسألة "الجمهورية الريفية " التي كان قد وضع دعائمها القائد الحربي والمدني عبد الكريم. وكذلك موقفه الرافض لدستور 5 نونبر 1963 (وهي الذريعة التي اتخذها الحسن الثاني لقطع المعاش الذي كان قد خصصه من قبل محمد الخامس لعبد الكريم الخطابي وأسرته) وكذلك الخطوات العملية التي كان يضطلع بها الخطابي في تنسيق الجهود المغاربية الرامية إلى استكمال عناصر التحرر السياسي والاقتصادي في بلدان المغرب العربي، مما جعله - أي الخطابي – يبدو للحسن الثاني بمثابة منافس للملكية على المشروعية السياسية، وحسب بعض المستعيدين للظروف التي أنجبت ذلك المشروع المجتمعي، فإنه بالنظر إلى المعطيات المتوفرة لحد الآن، عن موضوع "جمهورية الريف" فإن فكرة مغرب فيدرالي كانت قد أينعت منذ عشرات السنين التي خلت، وبالتحديد بين سنوات خمس (1921 و 1926) - وبرأيهم دائما فإن الفكرة المذكورة التي رأت النور لبعض الوقت كانت سابقة لأوانها، لذا عمَّرت بالتحديد ذلك الوقت الذي كان كافيا فقط لقول كلمة للاستعباد المخزني والاستعماري .

مصطفى حيران

عبد الكريم الخطابي وعداوة الملوك الثلاثة نُشِر ضمن ملف في أسبوعية "المشعل"
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le vendredi 08 février 2008 10:21

Modifié le vendredi 04 avril 2008 19:59

الحركة الوطنية وحرب الريف: تقاطع أم التقاء؟

الحركة الوطنية وحرب الريف: تقاطع أم التقاء؟
يستدعي الحديث عن انبثاق العمل السياسي في أعقاب انتهاء الحرب الريفية، التساؤل عما إذا كان انهزام الجيش الريفي وتسليم عبد الكريم الخطابي نفسه للفرنسيين كانا وراء إفراز الخيار السياسي (محمد ضريف، ص. 11)؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي حد استوعبت النخبة الجديدة أسباب الهزيمة وحاولت تجاوز آثارها؟ وهل جاء العمل السياسي كبديل عن انتكاس العمل العسكري؟ وما مدى تأثير تجربة عبد الكريم على العمل السياسي الناشئ في كليته؟
يمكن حصر الأجوبة في منحيين. الأول يؤكد والثاني ينفي أي تأثير للتجربة الريفية على الوطنيين الشباب.
المنحى الأول: يتبناه رجال الحركة الوطنية أنفسهم ومؤرخو الأحزاب (مثل عبد الكريم غلاب)، وبعض الكتاب الأجانب. يقول روم لاندو: "إن الباعث على نشوء هذه الحركة الوطنية كان حرب الريف (...) فإن جهاد عبد الكريم ضد قوى كبيرة لقي صدى في نفوس مواطنيه المغاربة. فحملته (...) أصبحت تمثل في نفوس مواطنيه أكثر من مجرد ثورة عسكرية. لقد أصبحت تعبيرا عن احتجاج الإسلام على مادية الغرب" (تاريخ المغرب في القرن 20، ص. 189). حسب هذا الرأي يتجسد التقاء شباب الحركة الوطنية مع عبد الكريم الخطابي في البعد الديني/الروحي للحركة الريفية. ذلك أن الحركتين معا ناهضتا "مادية الغرب". إلا أنه لا يمكن بهذه البساطة اختزال مقاومة عبد الكريم الخطابي للاستعمار في مناهضته لمادية الغرب؛ لأنه قاوم وناهض نزعة التوسع والسيطرة التي تحمِلها هذه المادية تحت ستار "نقل" فوائد الحضارة الغربية إلى الشعوب "المتخلفة". ثم إن الكاتب لا يوضح ما مدى وعي الشباب الوطني بهذا اللقاء الروحي مع الخطابي ولا تجلياته.
ويرى كنيث براون (في: الخطابي وجمهورية الريف، ص. 384) أن شروط الالتقاء كانت عاطفية، مؤكدا على أن المقاومة الريفية وذكرياتها دخلت في صلب أيديولوجية الحركة الوطنية، وأن "مقاومة الريف قد ساهمت بالتقاء الشروط الملائمة لولادة هذه الحركة". بينما يوضح عبد الكريم غلاب أن حرب الريف "كانت الأمل الذي التقت حوله أفكار الشباب، كما كان للنكسة التي أصابت المجاهدين في الريف أثرها العميق القوي في نفوس الشباب الذي أخذ يبحث عن بديل لهذا الجهاد التحرري" (تاريخ الحركة الوطنية، 28). أما محمد زنيبر، فمع ملاحظته نوعا من تورية الوطنيين تجاه التجربة الريفية، فإنه يلتمس لهم العذر. فأمام العدو الاستعماري وجيشه الرهيب، لم يكن بمقدورهم "إبراز أنفسهم كمكمّلين لعبد الكريم" (في: الخطابي وجمهورية الريف، صص. (401-402). ويضيف في صيغة تساؤل: "هل من الممكن إذن، الكلام هنا عن قطيعة، لأن زعيما وطنيا ولأسباب تكتيكية بدا وكأنه يدير الظهر لعبد الكريم"؟
المنحى الثاني: يجيب عبد الله العروي على هذا التساؤل بإثبات واقع القطيعة فعلا. ويعتقد أن عبد الكريم ظل غائبا عن فكر الوطنيين (الخطابي وجمهورية الريف، ص. 386). وقد استند في تحليله على ما ثبت عنده من كون الوطنيين خلال الثلاثينات، كانوا متأثرين برأي صحيفة "المنار" ذات الاتجاه السلفي، في عبد الكريم شخصيا وفي مشروعه السياسي (العروي، صص. 389-393) وأوضح أن "المسألة ليست في معرفة ما إذا كان هذا الزعيم المغربي أو ذاك تكلم ذات يوم عن عبد الكريم أو ألقى محاضرة عنه، فالمسألة متعلقة فيما إذا كان الوطنيون كمجموعة قد درسوا تجربة عبد الكريم بالدقة المطلوبة متوصلين بذلك إلى استخلاص نتائجها السياسية أو غيرها. حسب ما أعلم ـ وقد أكون مخطئا ـ (يضيف العروي) فإنهم لم يفعلوا شيئا من هذا القبيل، لأسباب متعددة لا تزال بحاجة للشرح، ولم يستخلصوا ما يمكن تسميته درسا حقيقيا إن على صعيد انتصارات تلك التجربة أو على صعيد إخفاقاتها" (صص. 418-419)

كان عبد الله العروي محقا في طرح المسألة بهذا المنظور الشمولي، وبيان غياب التجربة الريفية عن فكر الحركة الوطنية وإيديولوجيتها. وقد يكون من أوائل الباحثين المغاربة الذين رصدوا هذا الغياب.
وسبق أن استبعد ريزيت حكاية تأثر العمل الحزبي بالتجربة الريفية. ولكنه أخطأ حينما أرجع السبب إلى إيديولوجية الوحدة العربية التي لا يؤمن بها الخطابي كونه زعيما "بربريا". وهذا تفسير متسرع تنقصه الدقة العلمية. فمن يتمعن في أقوال الأمير الخطابي وتصريحاته، سواء إبان حرب التحرير أو خلال استقراره في القاهرة، يستنتج بوضوح البعد الحقيقي لفكره التحرري والمتحرر مما هو إقليمي أو محلي أو نزعوي ـ إن جاز التعبير.ويشرح ريزيت استنتاجه قائلا: إنه "ليس من الصحيح تقديم ثورة عبد الكريم بمثابة التجلي الأول "للوطنية" المغربية (...) إن ارتباط عبد الكريم بالزوايا، وكذا إعلانه عن "جمهورية الريف"، ثم عداءه العنيف تجاه السلطان كل ذلك كان يتعارض بصورة كلية مع أيديولوجية الوحدة العربية التي هي مرجع رواد الوطنية المغربية ومكونها الأساسي" (الأحزاب السياسية، ص.78). وليس صحيحا كذلك ارتباط عبد الكريم بالزوايا، بل على العكس تماما إذ كان يأخذ عليها وقوفها إلى جانب الأجنبي. ولعل في الزاوية الدرقاوية وموقفها من الثورة الريفية خير دليل على استبعاد حكاية هذا الارتباط. أما عداؤه الشخصي المزعوم نحو السلطان فليس هناك ما يثبته. وإن جاز الحديث عن عداء، فمن الجانب الآخر الذي صدّق دعاية المارشال ليوطي بكون ثورة عبد الكريم تستهدف العرش ليس إلا.
وعما إذا كانت الحركة السياسية جاءت بديلا عن المقاومة المسلحة، أود عرض رأي الأستاذ عبد الكريم غلاب في الموضوع.
في البداية يعتبر الأستاذ غلاب أن انطلاق العمل السياسي في المدن، يعني أن المدينة أصبحت لأول مرة "تدافع عن الريف، بينما كان العكس هو طابع الحركات التحررية من قبل" (غلاب، ص. 78). ويوضح أن البرجوازية هي التي قامت بهذا العبء، معللا الظاهرة بعاملين: الأول نفسي والثاني ثقافي. ولا نجد رابطا بينهما إلا حجم الصدمة التي أحدثها الاستعمار في نفوس الشباب، سواء بتخاذل الآباء وسكونيتهم (يقصد سكان المدن الذين لم يحركوا "ساكنا حينما احتل المستعمرون البلاد"، ص. 18)، "فكان على الأبناء أن يكفروا عما حدث" (ص.18)، أو حينما تمكنت الجيوش الغازية من هزيمة المقاومة المسلحة. ويستنتج بالتالي أن الحركة السياسية قد تكون "البديل للحركة الوطنية المسلحة" (ص. 45). بيد أنه يعود سريعا ليعكس المسألة ويحسمها في عنوان جانبي بالقلم العريض قائلا: "الحركة الوطنية ليست بديلا للمقاومة المسلحة" (ص. 46). بل هي "حركة وجدت لتمتص اليأس الذي كان يهيمن على المواطنين المغاربة" (ص. 47). هل يفهم من هذا الكلام أن الهدف من قيامها كان مختزلا في امتصاص اليأس فقط دون أن يكون لها برنامج سياسي واضح؟ وعلى العموم فإن النخبة البرجوازية المثقفة هي التي كانت مؤهلة للقيادة لتوفرها على شروط العمل السياسي مثل "التفكير المشترك والتجمع والسرية ووحدة العمل" (ص. 46). وهي شروط لم تكن لتتوفر في الأرياف لأسباب أهمها "التخلف الفكري" و "انعدام الثقافة". ومع صحة هذه الملاحظة فإنه لا يمكن تعميمها بإطلاق. وكما أوضح الأستاذ غلاب نفسه (ص. 51)، فالقيادة العسكرية في الريف كانت هي أيضا مثقفة وواعية بمسؤولياتها. أما مسألة التخلف الفكري وانحصار التعليم، فهي ظاهرة تشترك فيها البادية مع المدينة، وإن بدرجات متفاوتة. ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبار الأرياف عديمة الثقافة، وإلا أصبحت مجتمعات غير تاريخية.
لعل البت في هذا الموضوع أمر من الصعوبة بمكان. لكن المعطيات المتاحة تعطي فعلا دلائل على غياب التجربة الريفية عن أيديولوجية الحركة الوطنية. ومن اللافت للنظر أن تكون خطب الزعيم المصري سعد زغلول تستأثر باهتمامات الشباب المغربي، عوض الالتفات إلى نداءات الأمير عبد الكريم الخطابي. ولا يغير من واقع الأمر كثيرا كون بعض الشباب المثقف كان يتغنى ببطولات الريفيين في مطارحات شعرية ومساجلات أدبية (الفاسي، الحركات الاستقلالية،128.)
ومن الواضح أن تقويم الوطنيين للتجربة الريفية لم يتغير مع تأصل أسلوب عملهم السياسي، ونضالهم ضد الحماية في الداخل والخارج. ولعل هذا ما يفسر سر "القطيعة الثانية" بينهم وبين الخطابي حينما ظهر على الساحة السياسية مرة أخرى بعد سنة 1947. صحيح أن جل من كتب من الوطنيين عن تاريخ المغرب المعاصر يشير إلى "صدى" حرب الريف في الوجدان. لكن ينبغي التنبيه إلى أن كل هذه الكتابات ظهرت بعد سنة 1947؛ أي بعد أن برزت شخصية عبد الكريم الخطابي مجددا كقائد يعمل على توحيد المعركة ضد الاستعمار، وكزعيم بارز لا يمكن تجاهله أو تجاوزه في المعادلة السياسية للمغرب الكبير.
mohamedamezian@hotmail.com
ملاحظة:
التفاصيل في كتاب: محمد أمزيان، عبد الكريم الخطابي: آراء ومواقف 1926-1963، دمشق 2003، منشورات de STEM.
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le vendredi 08 février 2008 10:08

Modifié le vendredi 04 avril 2008 19:32

abdelkarim el khattabi

Montage des rares photos de l'histoire du RIF

Réalisé par Mouradinou

# Posté le dimanche 06 janvier 2008 17:56

نداء الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي

نداء الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي
أيها الشعب في المغرب العربي :

إن هناك جماعة متضامنة من المستغلين تتربّص بكم الدوائر وتريد أن توقعكم من جديد في قبضة الاستعمار، بعدما حملتم أسلحتكم وأدركتم ما يجب عليكم أن تفعلوه لأخذ حريتكم واستقلالكم.

هذه الجماعة قد باعت الكرامة والشرف والوطن وسلمت البلاد لطائفة قليلة من المستعمرين بثمن بخس هو تلك المناصب الزائفة الحقيرة، وقد سبق أن عملت هذه الفئة في تونس، فسودت تاريخ هذا البلد المناضل، لولا أن قيض لها الله رجالاً صاروا يحاربون اتفاق الخزي والعار. ويمكننا أن نقول: إن تونس اليوم ثائرة على الذين يسلّمون بلادهم، وماضية في محو العار، وهي بلا شك ناجحة، وكل ما كان أبرم بواسطة دعاة الهزيمة وعشاق المناصب سوف ينهار تماماً وسوف ينهض عرب تونس لاستلام الكفاح اللائق في الوقت المناسب.

إن الشعب الفرنسيّ ليس في نيته أن يحارب مرة أخرى ليخلق هنداً صينية جديدة في شمال أفريقيا. وقد اقتدت جماعة الرباط بجماعة تونس المستسلمة فأبرزت اتفاق " اكس ليبان " إلى حيز العمل والتنفيذ وأخذت تدلّس وتغري عرب مراكش بالكلام المعسول وهي سائرة في نفس طريق اتفاق تونس، وس&

ليس من شك في أن الرجل السياسيّ، سواءٌ في الشّرق أم في الغرب، يستطيع أن يتعلم من السياسة الشيء الكثير، وأحسبني قد تعلمت من السياسة أشياء، لعلّ في ذكرها لأبناء الشرق، ما يجعلهم يفيدون منها ويعملون بها.

علّمتني السياسة أنّ القوّة الماديّة، مهما بلغت لا يمكن أن تثبت أمام القوة الروحيّة، وأن الحقّ لابدَّ أن ينتصر مهما طال الزمن وادلهمّت الخطوب.

وعلّمتني السياسة أنّ القويّ لا يستطيع أن يذلّ إنساناً مهما صغُرَ شأنه، وتضاءلت قوّته إلاّ إذا رضي هذا الإنسان بالهوان والمذلّة، ولولا الاستخزاء لما وجد الاستبداد، ولولا العبيد لما وُجد الأسياد.

وعلّمتني السياسة أن الإيمان هو مفتاح كلّ شيء، فإذا أنت آمنت بفكرتك، وعملت لها، وذُدْتَ عنها، فإنّها لابدّ من أن تنتصر مهما أقيمت في وجهك الحواجز والسّدود.

وعلّمتني السياسة أن المستعمِرين اخترعوا قاموساً جديداً، ووضعوا مصطلحات يستعينون بها على تحقيق مطالبهم، وقضاء مآربهم على حساب الأمم الضعيفة أو المستضعفة، فتراهم يسمّون المجاهد الذي يدافع عن حقوق بلاده " مجرماً " ويرمونه بأحطّ الصّفات وأقذرها، هذا في الوقت الذي يسمّون فيه المجرم الذي يغتصب حقوق غيره ( بطلاً ).

وعلّمتني السياسة أنّه ليس أقدر من المستعمرين على بذر بذور الفتنة بين أبناء الوطن الواحد وشغلهم عنه بالمناصب والزّعامات يلوحون بها لضعاف النفوس منهم، فيتقاتلون عليها، وينشغلون بزخرف الحياة عن تحرير أوطانهم من داء الاستعمار الوبيل الذي لا يترك أمّة، إلاّ وهي عظام نخرة، لا لحم يكسوها، ولا دم يجري حولها...

وأخيراً فقد علّمتني السياسة أنَّ كل ليلٍ إلى نهار، وكلَّ كَرَب إلى فرج وما يضيع الله أجر المؤمنين الصابرين.


بل المقالة وضعت المجلة صورة على صفحة كاملة لزعيم الريف بلباسه المغربي الريفيّ، وقد كتبت على الصورة ، بعد 21 عاماً تحرّر الأمير عبد الكريم بطل المغرب من الأسر، فلما لجأ إلى مصر حمته، وحماه عاملها. الهلال ص7 - ج9 - مج 55 أول سبتمبر 1947
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le lundi 17 juillet 2006 06:43

Modifié le vendredi 04 avril 2008 19:34