الخطاب الذي أذاعه الخطابي رئيس مكتب تحرير المغرب العربي...

الخطاب الذي أذاعه الخطابي رئيس مكتب تحرير المغرب العربي...
(منذ أن منّ الله علينا بإطلاق سراحنا والتجائنا إلى ساحة الفاروق) ونحن نواصل السعي لجمع كلمة الزعماء وتحقيق الائتلاف بين الأحزاب الاستقلالية في كل من مرّاكش والجزائر وتونس بقصد مواصلة الكفاح في جبهة واحدة لتخليص البلاد من ربقة الاستعمار .

وفي هذا الوقت الذي تعمل فيه الشعوب على تأمين مستقبلها وتتطلع أقطاب المغرب الكبير إلى استرجاع استقلالها المغصوب وحريّتها المضاعة يتحتم على جميع زعماء المغرب أن يتّحدوا ، وعلى كافة الأحزاب الاستقلاليّة أن تتآلف وتتساند ، إذ أن هذا هو الطريق الوحيد الذي سيوصلنا إلى تحقيق غاياتنا وإدراك أمانينا .

وإذا كانت الدول الاستعماريّة على باطلها تحتاج إلى التساند والتعاضد لتثبيت سيطرتها الاستعماريّة، فنحن أحوج إلى الاتّحاد وأحق به من أجل إحقاق الحق وتقويض أركان الاستعمار الغاشم الذي كان نكبة علينا ، ففرق كلمتنا ، وجزّأ بلادنا ، وابتزّ خيراتنا ، واستحوز على مقاليد أمورنا ، ووقف حجر عثرة في سبيل تقدمنا ورقيّنا ، ثم حاول بكل الوسائل أن يقضي على جميع مقوماتنا كأمة مسلمة .

ويسرّني أن أعلن أن جميع الذين خابرتهم في هذا الموضوع من رؤساء الأحزاب المغربيّة ومندوبيها بالقاهرة قد أظهروا اقتناعهم بهذه الدعوة واستجابتهم لتحقيقها وإيمانهم بفائدتها في تقوية الجهود ، وتحقيق الاستقلال المنشود .

ولقد كانت الفترة التي قطعناها في الدعوة للائتلاف خيراً وبركة على البلاد فاتّفقت مع الرؤساء ومندوبي الأحزاب الذين خابرتهم على تكوين (لجنة تحرير المغرب العربيّ) من سائر الأحزاب الاستقلاليّة في كل من تونس والجزائر ومراكش على أساس مبادىء الميثاق التالي :

آ- المغرب العربيّ بالإسلام كان ، وللإسلام عاش ، وعلى الإسلام سيسير في حياته المستقبليّة .

ب- المغرب جزء لا يتجزّأ من بلاد العروبة ، وتعاونه في دائرة الجامعة العربيّة على قدم المساواة مع بقية الأقطار العربيّة أمر طبيعي ولازم .

جـ- الاستقلال المأمول للمغرب العربيّ هو الاستقلال التام لكافة أقطاره الثلاثة (تونس والجزائر ومراكش) .

د- لا غاية يسعى إليها قبل الاستقلال .

هـ- لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيّات ضمن النظام الحاضر .

و- لا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال .

ز- للأحزاب الأعضاء في (لجنة تحرير المغرب العربيّ) أن تدخل في مخابرات مع ممثلي الحكومة الفرنسيّّة والإسبانيّّة على شرط أن تطلع اللجنة على سير مراحل هذه المخابرات أولاً بأول .

حـ- حصول قطر من الأقطار الثلاثة على استقلاله التام لا يسقط عن اللجنة واجبها في مواصلة الكفاح لتحرير البقيّة .

هذا هو الميثاق الذي قطعناه على أنفسنا العهد بالسير على ضوئه، والعمل بمقتضى مبادئه ، وقد وافقت عليه أنا وشقيقي محمد ، كما وافق عليه رؤساء الأحزاب المغربية التالية ومندوبوها :

- الحزب الحرّ الدستوري التونسيّ القديم .

- الحزب الحرّ الدستوري التونسيّ الجديد .

- حزب الشعب الجزائريّ .

- حزب الوحدة المغربيّة .

- حزب الإصلاح الوطنيّ .

- حزب الشورى والاستقلال .

- حزب الاستقلال .

وقد كتبنا لبقية الأحزاب الأخرى نطلب موافقتها النهائيّة على تكوين اللجنة والمصادقة على ميثاقها وتعيين مندوبيها في اللجنة بصفة رسميّة ، ومنذ الآن ستدخل قضيتنا في طور حاسم من تاريخها ، وسنواجه المغتصبين ونحن قوة متكتّلة تتكون من خمسة وعشرين مليوناً كلها مجمعة على كلمة واحدة ، وتسعى لغاية واحدة ، هي الاستقلال التام لكافة أقطار المغرب العربي .

وسنعمل على تحقيق هذه الغاية بكل الوسائل الممكنة في الداخل وفي الخارج كلما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ، ولن يجد المستعمر بعد اليوم منفذاً لتثبيط عزائمنا وإيقاع الفتنة بيننا واستغلال تعدّد الأحزاب وتفرّق الكلمة لاستعبادنا وتثبيت أقدامه في بلادنا .

فنحن في أقطارنا الثلاثة نعتبر قضية واحدة ، ونواجه الاستعمار متحدين متساندين ، ولن يرضينا أي حل لا يحقق استقلالنا الناجز وسيادتنا التامة ، على أنّنا نأمل أن يعمل الفرنسيّون والإسبانيّون على إنصافنا دون أن يلجئونا إلى إراقة الدماء ، وأن يكونوا قد تيقنوا من تجاربهم السابقة من أن استنادهم إلى استخدام القوّة والبطش للاحتفاظ باستعمار أوطاننا وإسكات صوتنا عن المطالبة بالحرّية والاستقلال أصبح لا يجدي شيئاً ، وأن من الخير لهم أن يسارعوا إلى فك أغلالهم الاستعماريّة بطريق التفاهم بين الجانبين ، وتقدير مصالح الطرفين .

أما إذا تنكبوا هذا الطريق فسيكونون المسؤولين عن تغيير خطّتنا؛ لأنّنا لن نتأخر - إذا نحن يئسنا من استرجاع استقلالنا بطريق التفاهم والإقناع - عن استرجاعه بطريق التضحية وبذل النفوس . وإنني إذ أعلن عن تكوين (لجنة تحرير المغرب العربيّ) أتوجه إلى الشعوب المغربيّة بتحيتي راجياً من الله العلي القدير أن يوفقها في كفاحها ويقوي ثباتها ويديم اتحاد كلمتها .

كما أتوجه إلى الشعوب والدول العربيّة بالتحيّة والشكر على مناصرتها لقضية المغرب العربيّ ، ولا يخالجني شك في أنّها ستستقبل تكوين هذه اللجنة بالمؤازرة والتأييد والترحيب .

ويسرني في الختام أن أحيّي إخواننا مجاهدي فلسطين الشقيقة ، داعياً لهم بالفوز والنصر ، ومؤكداً لهم تضامن الأقطار المغربيّة معهم ، وعزمها على اتخاذ جميع الوسائل الممكنة للاشتراك في إنقاذ بلادهم والمحافظة على عروبتها ووحدتها .

بيان عبد الكريم الخطابيّ حول الوضعية الحاضرة في تونس حول الحكومة المشتركة الفرنسيّة - التونسية 1951م

إن الظروف الحرجة التي تجتازها قضايا المغرب العربي تجعل لزاماً علينا أن نبيّن بجلاء وحزم موقفنا من الحالة الراهنة في تونس . وهي الحالة التي نجمت عن اشتراك الحزب الدستوري التونسي الجديد في الوزارة القائمة ، وقبوله التفاوض مع الفرنسيّين بقصد إدخال بعض التغييرات على وضعية البلاد السياسية من شأنها - كما قيل - أن تؤدي بعد قطع عدة مراحل محدودة إلى الاستقلال الداخليّ .

ففي 17 أغسطس من السنة الماضية تألفت الوزارة الحاليّة في تونس من ستة من الوزراء التونسيّين وستة آخرين من الفرنسيّين . وشارك فيها الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد بوزير واحد ، وكان مفهوماً عند الجميع - حسب البيانات الرسمية - أن الوزارة قامت على أساس الوضعيّة الاستعماريّة المفروضة على البلاد . وهذا ما أدخل الريبة في نفوس جميع الوطنيين لا في تونس وحدها بل في كافة أقطار المغرب العربيّ ، إذ أن المبادىء التي تقوم عليها الأحزاب الاستقلاليّة المغربيّة والمواثيق التي تربط بينها ، وميثاق لجنة تحرير المغرب العربيّ التي تنطوي تحت لوائها ، كلها تعتبر الأوضاع القائمة في أقطار المغرب أوضاعاً استعمارية لا يجوز الاشتراك في الحكم على أساسها . بل يعد نقضاً لمبدأ الاستقلال الذي تنادي به هذه الأحزاب ، هذا علاوة على ما تعهدت به الأحزاب المشتركة في اللجنة من عدم الدخول مع الفرنسيّين في مفاوضات تحقيق بعض الإصلاحات الجزئيّة نظراً لما بينته التجربة في الأقطار الثلاثة من أن كل إصلاح لا يمكن أن يكون سليماً إلا إذا كان موجّهاً من قبل الوطنيين أنفسهم ، وفي ظل حريّتهم واستقلالهم .

لهذا فإن اشتراك الحزب الدستوري الجديد في الوزارة قوبل في كافة الأقطار المغربيّة باستياء عام ، وعد نكسة إلى الوراء لا تتمشّى مع ميثاق ليلة القدر الذي أمضته الأحزاب التونسيّة في 23 أغسطس سنة 1946 ولا مع ميثاق لجنة تحرير المغرب العربي ، ولا مع الوعي القومي العام الذي أصبح يؤمن بأن الأوضاع المفروضة على بلاده أوضاع غير مشروعة وإن التخلص من ربقتها لا يتأتى عن طريق الاشتراك في الحكم على أساسها ، ولا بالمفاوضة في تغييرات جزئيّة لا تقوم على أساس الاعتراف بالاستقلال التام أولاً وقبل كل شيء . ومع هذا الاستياء الذي أحدثه اشتراك الحزب في الوزارة الاستعماريّة القائمة والبلبلة التي أدخلها على أفكار المواطنين جميعاً ، فإنا لم نرد أن نسارع إلى إعلان موقفنا منه ، بل فضلنا التريّث إلى أن تنجلي الحقائق بتمامها ، ونعرف بصفة خاصّة موقف ممثل الحزب في الوزارة من نتيجة المفاوضات المزعومة ، بالرغم من أن تأليف الوزارة على أساس الوضع القائم ، ومشاركة الفرنسيّين فيها كان وحده كافياً للحكم بأن المفاوضات التي ستقوم بها سوف لا تؤدي إلى أية نتيجة ترضى عنها المطامح القوميّة .

وتتابعت الشهور بعد ذلك "والوزارة التفاوضيّة" - كما أطلق عليها- لا تتقدم خطوة واحدة في سبيل تحقيق الأماني الوطنيّة إلى أن حل فبراير الماضي، فأعلن على الملأ أنّ الوزارة قد أمضت مع الفرنسيّين اتفاقاً يقضي بأن تكون الوزارة التونسيّة برئاسة وزير تونسيّ إلا في حالة الطوارىء فيتولى رئاستها المقيم العام الفرنسيّ ، على أن يكون تأليفها من ستة من الوزراء التونسيّين ، وستة من الوزراء الفرنسيّين .

كما يشتمل الاتفاق على إدخال تغييرات أخرى في الإدارة التونسيّة تتعلق بتحديد نسب الموظفين التونسيين والفرنسيّين بها ، وتوزيع اختصاصهم . هذا هو كل ما أسفرت عنه المفاوضات المزعومة بعد ثمانية أشهر من تأليف "الوزارة التفاوضيّة" فتبين بذلك للرأي العام أكثر من ذي قبل فشل التجربة التي انزلق إليها الحزب . وبات ينتظر من رجاله المساعدة إلى إنهائها ، والرجوع إلى الكفاح الصحيح لأجل تحقيق المبادىء الاستقلاليّة التي أقرّتها لجنة تحرير المغرب العربيّ ، وارتبطت بها كافة الأحزاب الاستقلاليّة ، ولكن الحزب بدلاً من أن يستجيب لرغبة الأمّة أخذ ينوه بهذا الاتفاق ، ويعتبره خطوة أولى تتبعها خطوات أخرى لتخليص "السيادة التونسيّة" في حين أنه يعتبر لطمة للأماني الوطنيّة ، لأنه يعترف للفرنسيّين بحق "المشاركة" في حكم تونس ، الأمر الذي يتنافى حتى مع معاهدة الحماية نفسها ، فكيف يسوّغ لحزب ينادي باستقلال البلاد أن يعترف للفرنسيّين بهذا الحقّ ، ويعتبره خطوة أولى لتخليص السيادة التونسيّة ؟.

لقد كشف هذا الاتفاق عن النوايا الحقيقيّة التي يكنّها الفرنسيّون من وراء "سياسة المراحل " التي يطلبون من الوطنيين قبول الاشتراك في الحكم على أساسها . فهي لا ترمي إلى تحقيق استقلال البلاد ، ولكن إلى تعويق هذا الاستقلال عن طريق تضليل الرأي العام بقبول الوطنيين المكافحين لكراسي الوزارة ، ورضاهم عن "إصلاحات" مدخولة يقومون بها ويخفون خطرها على مستقبل البلاد .

ومع ذلك فإن الحزب الدستوريّ التونسيّ الجديد لم يقم أي وزن لهذا الخطر، وظل مشتركاً في الوزارة القائمة ، ومتشبثاً بالاستمرار في "التجربة" التي أخفقت أكثر مما كان في صفوف الأمة المغربيّة ، كما عرض وحدة الشعب التونسي المكافح إلى التصدّع وتشتيت الجهود، وجعل الهيئات الوطنيّة تنصرف إلى التنابذ ، والتناحر فيما بينها في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى التكتّل ، وتوحيد الكلمة لمواجهة المعتدي الغاصب .

لهذا كله، فإنّنا نعلن استنكارنا لمشاركة الحزب الحر الدستوريّ التونسيّ الجديد في هذه التجربة ، ونعتبر هذه المشاركة إخلالاً بميثاق تحرير المغرب العربيّ ، واعترافاً بأوضاع لا نقرّها ، كما نعلن معارضتنا الشديدة لما أسفرت عنه هذه التجربة لمنافاته للأماني الوطنيّة ومساسه بجوهر السيادة التونسيّة التي يجب أن تكون من حق التونسيين وحدهم لا يشاركهم فيها غيرهم، وندعو الحزب إلى سحب ممثله فوراً من الوزارة والرجوع إلى ميدان الكفاح الصحيح على أساس المبادىء الاستقلاليّة التي أقرتها اللجنة ، وارتبطت بها الأحزاب في كافة أقطار المغرب العربيّ . كما إننا ننبه الحزب إلى أن استمراره في هذه التجربة سوف لا يقتصر خطره على تونس وحدها ، بل سيلحق القطرين الشقيقين : الجزائر ومراكش أيضاً ، وأنه الآن أمام مسؤولية كبرى هي مسؤولية المحافظة على كيان الحركة الاستقلاليّة في أقطار المغرب العربيّ كله ، وعدم تعريضها إلى التصدع والانهيار بسبب تحويل اتجاهها، والإخلال بمواثيقها ، وتعريض وحدة التضامن فيما بينها إلى التمزق والانحلال .

ويهمنا أن نؤكد أن لجنة تحرير المغرب العربيّ التي ينضوي تحت لوائها جميع الأحزاب الاستقلاليّة المغربيّة لا تتحمل أية مسؤوليّة في السياسة التي ينتهجها هذا الحزب ما دامت تخالف مبادىء ميثاقها ، كما نتبرأ من أي عمل يصدر عنه ما دام لا يرجع إليها لمعرفة رأيها مقدماً حسبما ينص عليه ميثاقها .

القاهرة 8 شوال سنة 1370 هـ

الموافق 12 يوليه سنة 1951م

التوقيع

عبد الكريم الخطابيّ

رئيس لجنة تحرير المغرب العربي
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le lundi 17 juillet 2006 06:40

Modifié le vendredi 04 avril 2008 19:37

Pour toute réclamation, correction, information supplémentaire ou bien des idées : veillez contacter cette a dresse : viverif@hotmail.com ou bien le skyblog suivant www.mouradinou.skyblog.com الخطابي

Pour toute réclamation, correction, information supplémentaire ou bien des idées : veillez contacter cette a dresse : viverif@hotmail.com ou bien le skyblog suivant www.mouradinou.skyblog.com  الخطابي
الخطابي.. أمير ثائر ودولة ناشئة

(في ذكرى معركة أنوال: 25 شوال 1339هـ)



محمد بن عبد الكريم الخطابي في شبابه

كان المغرب في بداية القرن العشرين يعاني من ضعف وانقسام شديد، تمثل في انقسام الأسرة الحاكمة وصراعاتها الداخلية، واستعانة أطراف هذا الصراع للبقاء على العرش بالقوى الخارجية، أما الوجه الآخر فتمثل في التنافس الاستعماري الشرس بين الدول الكبرى للسيطرة على المغرب وتأمين نفوذها ومصالحها فيه، وبخاصة فرنسا التي كانت تتحين الفرصة للانقضاض على المغرب، غير أنها وجدت إنجلترا وألمانيا واقفتين لها بالمرصاد؛ فلجأت إلى إرضاء إنجلترا من خلال الاتفاق الودي سنة (1322هـ = 1904م) الذي أطلق يدها في المغرب، أما ألمانيا فاضطرت إلى إعطائها جزءًا من الكاميرون حتى تقر باحتلال فرنسا للمغرب في (13 من ذي القعدة 1329هـ = 4 نوفمبر 1911م).

لم يكن دخول فرنسا مدينة "فاس"، أو إعلان الحماية عليها بالأمر الهين اليسير؛ نظرا لطبيعة البلاد الجبلية ذات المسالك الوعرة، وطبيعة السكان البربر الذين اعتادوا الاحتفاظ باستقلالهم الداخلي أمام جميع الحكومات المركزية، ومن ثَمَّ لم يتم إخضاع البلاد إلا بعد مرور أكثر من عشرين عاما لعبت فيها شخصية الأمير الخطابي دورا رئيسيا في الجهاد والمقاومة، ووصف أحد الضباط الفرنسيين الكبار هذه المقاومة الباسلة بقوله: "لم تستسلم أية قبيلة دون مقاومة؛ بل إن بعضها لم يُلقِ سلاحه حتى استنفد كل وسائل المقاومة، واتسمت كل مرحلة من مراحل تقدمنا بالقتال، وكلما توقفنا أنشأ الريفيون جبهة جديدة أرغمت قواتنا سنوات طويلة على الوقوف موقف الحذر واليقظة في موقف عسكري مشين".

وفرض الفرنسيون الحماية على المغرب في (12 ربيع الثاني 1330هـ = 30 مارس 1912م) وبعد أيام قام المغاربة بثورة عارمة في فاس ثار فيها الجيش والشعب، تزعمها المجاهد "أحمد هبة الله"، وكانت الانتصارات فيها سجالا بين الفريقين، وانتهى الأمر بوفاة الرجل، وتمكن الفرنسيون من بسط نفوذهم على المغرب أثناء الحرب العالمية الأولى.

الريف والأسبان

كانت منطقة النفوذ الأسباني حسب اتفاقية (1322هـ = 1904م) مع فرنسا تشمل القسم الشمالي من المغرب، التي تنقسم إلى كتلتين: شرقية وتعرف بالريف، وغربية وتعرف بالجبالة، وتكاد بعض جبال الريف تتصل بمنقطة الساحل. وتتميز مناطقها الجبلية بوعورة المسالك وشدة انحدارها، غير أنها أقل خصبا من منطقة الجبالة. وتمتد بلاد الريف بمحاذاة الساحل مسافة 120ميلا وعرض 25 ميلا، وتسكنها قبائل ينتمي معظمها إلى أصل بربري، أهمها قبيلة بني ورياغل التي ينتمي إليها الأمير الخطابي.

وعندما بدأ الأسبان ينفذون سياسة توسعية في المغرب، صادفوا معارضة قوية داخل أسبانيا نفسها بسبب الهزائم التي تعرضوا لها على يد الأمريكيين في الفليبين وكوبا، فعارض الرأي العام الأسباني المغامرات العسكرية الاستعمارية، إلا أن المؤيدين احتجوا بأن احتلال المغرب ضروري لتأمين الموانئ الأسبانية الجنوبية، وضَمَّ رجال الدين صوتهم إلى العسكريين.

وكان الأسبان يعرفون شدة مقاومة أهل الريف لتوسعهم، فاكتفوا في البداية بالسيطرة على سبتة ومليلة، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى احتلال معظم الموانئ الساحلية المحيطة بمنطقة نفوذهم، وكانت خطتهم تقوم على أن تتقدم القوات الأسبانية عبر منطقة الجبالة لاحتلال مدينة تطوان، التي اتُّفق على أن تكون عاصمة للمنطقة الأسبانية، لكن ظهر في الجبالة زعيم قوي هو "أحمد بن محمد الريسوني" الذي حمل لواء المقاومة منذ سنة (1330هـ = 1911م) حتى تولاها منه الأمير الخطابي.

وقد اصطدم الريسوني بالأسبان عندما احتلوا ميناء أصيلة الذي كان يعتمد عليه في استيراد الأسلحة، وبعدها ساروا إلى احتلال مدينة تطوان، فوقعت مصادمات بينهم انتهت بصلح اتفق فيه على أن تكون الجبال والمناطق الداخلية للريسوني، والساحل للأسبان، غير أن الأسبان نقضوا العهد، وطاردوه، وتوغلوا في بلاد الجبالة بخسائر فادحة، واستطاعوا أن يحتلوا مدينة شفشاون أهم مدينة في تلك البلاد في (صفر 1339هـ = أكتوبر 1920م).

الأمير الخطابي

كانت الثورة الثانية ضد الأسبان هي ثورة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم قبيلة بني ورياغل، أكبر قبائل البربر في بلاد الريف، وقد وُلد الأمير سنة (1299هـ = 1881م) في بلدة أغادير، لأب يتولى زعامة قبيلته، فحفظ القرآن الكريم صغيرا، ثم أرسله أبوه إلى جامع القرويين بمدينة فاس لدراسة العلوم العربية الدينية، ثم التحق بجامعة سلمنكا بأسبانيا، فحصل منها على درجة الدكتوراه في الحقوق، وبذلك جمع بين الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة وبعض النواحي من الثقافة الأوروبية، ثم عُين قاضيا بمدينة مليلة التي كانت خاضعة لأسبانيا، وأثر فيه عندما كان قاضيا مشهد ضابط أسباني يضرب عربيا بالسوط في شوارع مليلة، ويستغيث ولا يغاث، عندها رأى الوجه القبيح للاستعمار، وأدرك أن الكرامة والحرية أثمن من الحياة.

وكان الأسبان قد عرضوا على والد الأمير أن يتولى منصب نائب السلطان في تطوان التي تحت الحماية الأسبانية، وأن يقتصر الوجود العسكري الأسباني على المدن، إلا أنه اشترط أن تكون مدة الحماية محددة فلم ينفذ هذا العرض.

وبعد سيطرة أسبانيا على مدينة شفشاون وإخضاع منطقة الجبال، استطاعت أن تركز جهودها وقواتها في بلاد الريف، وأعلنت الحماية على شمال المغرب، فرفض الأب الخضوع للأسبان، وأعلن معارضته للاستعمار، ورفض تقديم الولاء للجنرال الأسباني غوردانا؛ فما كان من الجنرال إلا أن عزل الخطابي عن قضاء مليلة، واعتقله قرابة العام، ثم أطلق سراحه، ووضعه تحت المراقبة، وفشلت إحدى محاولات الخطابي في الهرب من سجنه، فأصيب بعرج خفيف لازمه طوال حياته، ثم غادر مليلة ولحق بوالده في أغادير، وفي هذه الأثناء توفي والده سنة (1339هـ = 1920م) فانتقلت الزعامة إلى الابن.

من القضاء إلى الثورة

تولى الأمير الخطابي زعامة قبيلة بني ورياغل، وقيادة الثورة في بلاد الريف، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، فزحف الجنرال سلفستر قائد قطاع مليلة نحو بلاد الريف، واحتل بعض المناطق دون مقاومة تُذكر، واحتل مدينة أنوال، وتقدم اثني عشر ميلا بعدها؛ فظن أن قبائل بني ورياغل خضعت له، ولم يدرِ أن الأمير الثائر أراد أن يستدرجه إلى المناطق الجبلية ليقضي عليه تماما، وأنه ادخر رجاله لمعركة فاصلة.

بلغ قوام الجيش الأسباني بقيادة سلفستر 24 ألف جندي استطاع أن يصل بهم إلى جبل وعران قرب أغادير مسقط رأس الأمير، وعندها قام الخطابي بهجوم معاكس في (25 شوال 1339هـ = 1 يوليو 1921م) استطاع خلاله أن يخرج الأسبان من أنوال، وأن يطاردهم حتى لم يبق لهم سوى مدينة مليلة، وكانت خطة هجومه في أنوال أن يهاجم الريفيون الأسبان في وقت واحد في جميع المواقع؛ بحيث يصعب عليهم إغاثة بعضهم البعض، كما وزع عددا كبيرا من رجاله في أماكن يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الفارين، فأبيد معظم الجيش الأسباني بما فيهم سلفستر، واعترف الأسبان أنهم خسروا في تلك المعركة 15 ألف قتيل و570 أسيرا، واستولى المغاربة على 130 موقعا من المواقع التي احتلها الأسبان، وحوالي 30 ألف بندقية، و129 مدفعَ ميدان، و392 مدفعا رشاشا.

ولم ينتبه الخطابي إلى ما أدركه من نصر حاسم؛ إذ لو تابع القتال لما وجد أمامه قوة ولدخل حصن مليلة دون مقاومة تُذكر، ولأنهى الوجود الأسباني في بلاد الريف، غير أنه توقف ظنا منه أن للأسبان قوة، وقد هيأ التوقف للأسبان الفرصة لحشد ستين ألف مقاتل، وقاموا بهجوم معاكس في (10محرم 1340هـ = 12 سبتمبر 1921م)، فاستعادوا بعض ما فقدوه، وبلغ مجموع القوات الأسبانية في ذلك العام ببلاد الريف أكثر من 150 ألف مقاتل، ورغم ذلك أصبح وجود الأسبان مقصورًا على مدينة تطوان والموانئ وبعض الحصون في الجبالة.

ويعزو الأسبان وقوع هذه الهزيمة إلى طبيعة البلاد الصعبة، والفساد الذي كان منتشرا في صفوف جيشهم وإدارتهم، وأرسلت حكومة مدريد لجنة للتحقيق في أسباب هذه الكارثة المدوية، ذكرت أن الأسباب تكمن في إقامة مراكز عديدة دون الاهتمام بتحصينها تحصينا قويًّا، كما أن تعبيد الطرق التي تربط بين هذه المراكز كان خطأ كبيرًا من الناحية العسكرية، ويعترف التقرير بأنه لم يكن أمام الريفيين إلا أن يلتقطوا الأسلحة التي تركها الجنود الفارون، وكشف التقرير حالات بيع بعض الضباط لأسلحة الجيش.

من الثورة إلى الدولة

بعد الانتصار العظيم الذي حققه الخطابي في أنوال ذاعت شهرته في بلاد الريف، وترسخت زعامته فاتجه إلى تأسيس دولة؛ لذلك دعا القبائل إلى عقد مؤتمر شعبي كبير تُمثَّل فيه جميع القبائل لتأسيس نظام سياسي، ووضْعِ دستور تسير عيه الحكومة، وتم تشكيل مجلس عام عُرف باسم الجمعية الوطنية مُثِّلت فيه إرادة الشعب، واتخذ أول قرار له وهو إعلان الاستقلال الوطني وتأسيس حكومة دستورية جمهورية في (المحرم 1340هـ = سبتمبر 1921م)، وتم وضع دستور لجمهورية الريف مبدؤه سلطة الشعب، ونص الدستور على تشكيل وزارات، ونص على أن رجال الحكومة مسئولون أمام رئيس الجمهورية.

وقد أعلن الخطابي أن أهداف حكومته هي عدم الاعتراف بالحماية الفرنسية، وجلاء الأسبان عن جميع ما احتلوه، وإقامة علاقات طيبة مع جميع الدول، والاستفادة من الفنيين الأوروبيين في بناء الدولة، واستغلال ثرواتها؛ فشجع بعض شركات التعدين للعمل في الريف حتى قيل بأن تأييد بعض الأوساط الرأسمالية له في أوروبا إنما كان سببه ارتباط مصالحهم بمشاريع في الريف، كذلك تحول رجاله المقاتلون إلى جيش نظامي، له قواده ومقاتلوه من الفرسان والمشاة المدفعية، وعهد بالوظائف الفنية إلى المغاربة الذين سبق لهم الخدمة في الجيش الفرنسي، وعمل على تنظيم الإدارة المدنية، والإفادة من بعض وسائل الحضارة العصرية؛ فمدّ أسلاك البرق والهاتف وشق الطرق، وأرسل الوفود إلى العواصم العربية ليحصل على تأييدها، وطلب من فرنسا وبريطانيا وبابا الفاتيكان الاعتراف بدولته، وعاصمتهاأجدير (أغادير).

مسألة سياسة

وأثار وضع جمهورية الريف مسألة سياسية هامة أثرت في حياة المغرب، وهو موقف الخطابي من العرش والسلطان المغربي، فنسب البعض إليه أنه اعترف بمبدأ السيادة السلطانية، واستدلوا على ذلك بأنه لم يعلن نفسه سلطانا، غير أن السلاطين من الأسرة العلوية لم يقتنعوا بذلك، واعتقدوا أن دولته تمثل انشقاقا على العرش، واستمر سوء التفاهم هذا بينهم وبين الخطابي حتى عهد السلطان محمد الخامس، ونفى الخطابي أن يكون تطلع إلى عرش المغرب بدليل أنه منع أنصاره من الخطبة باسمه في صلاة الجمعة، وأنه كان مستعدا لقبول الأسرة الملكية الحاكمة، وأن يبايع الوطنيون السلطان الذي يحقق أهدافهم بعد تحرير البلاد.

الأوضاع الداخلية في أسبانيا

أصبحت مشكلة الريف والخطابي هي المشكلة الأولى التي تقلق أسبانيا داخليا وخارجيا، فارتفعت القوات الأسبانية في شمال المغرب بعد شهور من هزيمة أنوال إلى 150 ألف مقاتل، وعرضت مدريد على الخطابي الاعتراف باستقلال الريف بشرط أن يكون استقلالا ذاتيا خاضعا للاتفاقات الدولية التي أخضعت المغرب للنظام الاستعماري، فرفض الأمير الاستقلال تحت السيادة الأسبانية.

وداخليا وقع انقلاب عسكري في أسبانيا في (1 صفر 1342هـ = 12 سبتمبر 1923م) وتسلم الحكم فيه الجنرال بريمودي ريفيرا، فأعلن عن سياسة جديدة لبلاده في المغرب، وهي الانسحاب من المناطق الداخلية والتمركز في مواقع حصينة على الساحل، وأدرك ريفيرا أن تعدد المواقع الأسبانية المنعزلة أمر بالغ الخطورة؛ لأنها محاطة بالقبائل المغربية. أما الخطابي فلم يكن هناك ما يدفعه إلى مهادنة الأسبان، خاصة بعد وثوقه بقدرته على طردهم، وبعد رفضهم الانسحاب إلى سبتة ومليلة؛ لذلك بدأ في عمليات قتالية باسلة ضد القوات المنسحبة اعتمدت على أساليب حرب العصابات، واعترفت الحكومة الأسبانية في تعدادها الرسمي أن خسائرها في الستة أشهر الأولى من عام (1343هـ = 1924م) بلغت 21250 قتيلا وجريحًا وأسيرًا رغم إشراف الجنرال ريفيرا بنفسه على عمليات الانسحاب.

واستطاع الخطابي أن يبسط نفوذه على الريف، رغم استمالة مدريد لزعيم منطقة الجبالا الريسوني، فزحف على الجبالا، ودخل عاصمتهم سنة (1344هـ = 1925م) وصادر أملاك المتعاونين مع الأسبان، وألقى القبض على الريسوني، واقتاده سجينا إلى أغادين حيث توفي في سجنه، فأصبح زعيم الريف بلا منازع، وسيطر على مساحة تبلغ 28 ألف كيلومتر مربع، ويسكنها مليون مغربي.

# Posté le lundi 10 avril 2006 07:44

Modifié le vendredi 04 avril 2008 18:36

تابع

فرنسا.. والريف
وأدرك الأسبان عجزهم الكامل عن مقاومة دولة الريف الناشئة، وقوبلت هذه النتيجة بدهشة كبيرة من الدوائر الاستعمارية التي لم تكن مطمئنة لحركة الخطابي وعلى رأسها فرنسا التي كانت تتوقع أن يتمكن الأسبان يوما ما من القضاء على هذه الحركة، أما الخطابي فكان يحرض على تجنب الاصطدام بالفرنسيين حتى لا يفتح على نفسه جبهتين للقتال في وقت واحد، إلا أن الأوضاع بين الاثنين كانت تنذر بوقوع اشتباكات قريبة.

والمعروف أن فرنسا كانت تخشى من حركة الخطابي أن تكون عاملا مشجعا للثورات في شمال أفريقية، ويرى البعض أن مصالح الرأسمالية التي استثمرت أموالها في بناء ميناء الدار البيضاء الضخم وفي مشروعات أخرى في منطقة ساحل الأطلسي استحسنت بقاء منطقة الريف مضطربة حتى يصعب استخدام الطريق الموصل بين فاس وطنجة، الذي يحول تجارة المغرب إلى ذلك الميناء، واستقرار الأوضاع في الريف سيؤثر سلبا على مصالحها، يضاف إلى ذلك أن الخطابي حرص على دعوة الشركات الأجنبية لاستغلال موارد الريف الطبيعية خاصة البريطانية؛ وهو ما يعني أن تقترب المصالح الرأسمالية البريطانية من المصالح الفرنسية، وتصبح دولة الريف في حالة من الأمان الدولي في ظل التنافس بين هذه المصالح؛ لذلك يقال: إن بعض الأسلحة البريطانية المتطورة في ذلك الوقت بدأت تتدفق على دولة الريف عبر ميناء الحسيمات.

كما أن قيام جمهورية قوية في الريف يدفع المغاربة دفعا إلى الثورة على الفرنسيين، ورفض الحماية الفرنسية؛ لذلك كرهت فرنسا قيام دولة المغاربة مستقلة، وأرسلت تعزيزات عسكرية على الجبهة الشمالية لها في المغرب، وتحينت الفرصة للاصطدام بها والقتال معها، وفشلت محاولات الخطابي للتفاهم مع الفرنسيين للتوصل إلى اتفاق ينظم العلاقة بينهما، فبعث أخاه إلى باريس، وبعث موفدا له إلى السلطات الفرنسية في فاس، لكنهما لم يتوصلا إلى شيء.

الصدام
كان مجموع القوات الفرنسية في المغرب 65 ألف جندي، وكانت فرنسا ترى أن هذه القوات غير كافية لدخول حرب في الريف؛ لذلك أرسلت قوات إضافية أخرى حتى بلغ مجموع هذه القوات 158 ألف مقاتل منهم 133 ألف مغربي، وفي (رمضان 1343هـ = أبريل 1925م) وقعت شرارة الصدام بين الفرنسيين والخطابي، عندما أمدّ الفرنسيون زعماء الطرق الصوفية بالمال والسلاح ليشجعوهم على إثارة الاضطرابات في دولة الريف، فأدى ذلك إلى مهاجمة الريفيين لبعض الزوايا قرب الحدود، ووجد الفرنسيون في ذلك حجة للتدخل لحماية أنصارهم، وعندما بدأ القتال فوجئ الفرنسيون بقوة الريفيين وحسن تنظيمهم وقدراتهم القتالية، فاضطروا إلى التزام موقف الدفاع مدة أربعة أشهر، واستطاعت بعض قوات الريف التسلل إلى مسافة 20 ميلا بالقرب من فاس، وخسر الفرنسيون خسائر فادحة، ووقعت كثير من أسلحتهم في أيدي الريفيين، فقلقت فرنسا من هذه الانتصارات، وأرسلت قائدها العسكري البارع "بيتان" للاستعانة بخبرته وكفاءته.

أسبانيا وفرنسا ضد الريف
كان صمود جمهورية الريف الناشئة أمام فرنسا وأسبانيا والمناوئين لها من المغاربة أمرًا باهرًا رائعا وحالة نادرة في تاريخ الحروب الاستعمارية، يرجع جوهره إلى كفاءة الزعماء الريفيين في ميدان القتال والحرب؛ فقد استخدم هؤلاء المقاتلون خطوط الخنادق المحصنة على النمط الذي أقامته فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، ويكفي الريفيين فخرًا أنهم قادوا الحرب ضد ثلاثة ماريشالات وأربعين جنرالا وحوالي ربع مليون مقاتل فرنسي وأسباني ومغاربي مدعمين بالطائرات والمدرعات وتحت إشراف رؤساء حكوماتهم.

وقد اتخذت فرنسا بعض الإجراءات لتدعيم موقفها في القتال، فأغرت السلطان المغربي بأن يعلن الخطابي أحدَ العصاة الخارجين على سلطته الشرعية، ففعل السلطان ما أُمر به، وقام برحلة إلى فاس لتأليب القبائل على المجاهدين، كذلك نسقت خططها الحربية مع حكومة مدريد، وعقد مؤتمر لهذا الغرض اتفق فيه على مكافحة تجارة السلاح بين الريف وأوروبا، وسمع بتتبع الثائرين في مناطق كل دولة، وتعهدت باريس ومدريد بعدم توقيع صلح منفرد مع الخطابي.

الاستسلام

واتفق الأسبان والفرنسيون على الزحف على جمهورية الريف بهدف تحقيق اتصال عسكري بين الدولتين وخرق الريف، وتقسيم قواته إلى جزأين؛ وهو ما يعرضهم لموقف عسكري بالغ الحرج، إلا أن قدوم الشتاء ببرودته أجَّل هذا الزحف وبعض العمليات العسكرية، وخسر الخطابي في تلك المعارك حوالي 20 ألف شهيد، وبقي بجانبه حوالي 60 ألف مقاتل. اتسعت الحرب في (1344هـ = 1926م) وتجدد الزحف والتعاون العسكري التام بين باريس ومدريد مع تطويق السواحل بأساطيلهما، وقلة المؤن في الريف؛ لأن معظم المقاتلين في صفوف الخطابي من المزارعين، وهؤلاء لم يعملوا في أراضيهم منذ أكثر من عام، وهم يقاتلون في جبهة تمتد إلى أكثر من 300 كم.

ولجأ الفرنسيون إلى دفع المغاربة المتعاونين معهم إلى توجيه دعوة للقبائل لعقد صلح منفرد مع فرنسا أو أسبانيا في مقابل الحصول على حاجاتهم من الطعام، فوجد الخطابي أن الحكمة تقتضي وقف القتال رحمة بسكان الريف وقبائله قبل أن تلتهمهم الحرب، وقبلها الجشع الفرنسي والأسباني والخائنون من المغاربة.

وقد فكر الرجل أن يخوض بنفسه معارك فدائية؛ دفاعا عن أرضه ودينه، إلا أن رفاقه منعوه ونصحوه بالتفاوض، فقرر أن يحصل لبلاده ونفسه على أفضل الشروط، وألا يكون استسلامه ركوعا أو ذلا، ورأى تسليم نفسه للفرنسيين على أنه أسير حرب، واقتحم بجواده الخطوط الفرنسية في مشهد رائع قلّ نظيره في (12 ذي القعدة 1344هـ = 25 مايو 1926م) واستمر القتال بعد فترة. أما هو فنفته فرنسا إلى جزيرة ريونيون النائية في المحيط الهادي على بعد 13 ألف كيلو متر من موطنه الذي شهد مولده وجهاده.

وطال ليل الأسر والنفي بالخطابي وأسرته وبعض أتباعه نيفا وعشرين سنة، قضاها في الصلاة وقراءة القرآن الكريم في تلك الجزيرة الصخرية، عانى فيها قلة المال، فآثر أن يعمل بيديه لتأمين معيشته هو وأسرته، فاشترى مزرعة، وجاهد فيها كسبا للعيش، ولم تفلح محاولاته بأن يرحل إلى أية دولة عربية أو إسلامية؛ لأن فرنسا كانت تعلم أن الرجل يحمل شعلة الحرية في قلبه وهي لم تنطفئ، كما أن كلماته عن تقرير المصير هي عبارات محشوة بالديناميت تفجر الثورات وقبلها نفوس الأحرار.

وفي عام (1367هـ = 1947م) قررت فرنسا نقل الخطابي وأسرته إليها لتضغط به على الملك محمد الخامس لمطالبته الدائمة بالاستقلال، غير أنها استجارت من الرمضاء بالنار، فعندما وصلت الباخرة التي تقله إلى ميناء بورسعيد، التجأ إلى السلطات المصرية، فرحبت القاهرة ببقاء هذا الزعيم الكبير في أراضيها، واستمر بها حتى وفاته في (1382هـ = 1963م).

أهم المصادر والمراجع:

علال الفاسي: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي - مطبعة الرسالة - القاهرة - الطبعة الأولى - 1368هـ = 1948م.

صلاح العقاد: المغرب العربي - مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة - الطبعة السادسة 1993.

قدري قلعجي: ثمانية أبطال من العرب - شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - لبنان - الطبعة الأولى - 1995م.

# Posté le dimanche 09 avril 2006 16:00

Modifié le vendredi 04 avril 2008 18:43

"le système des guérillas" حرب العصابات"

"le système des guérillas" حرب العصابات"
C'est Abdelkrim El Khattabi qui a inventé "le système des guérillas" حرب العصابات"qui a inspiré, par la suite, Mao Tsé Toung au Chine Populaire, Ho Chi Min au Viêt-Nam et Che Guevara en Amérique Latine. ...

# Posté le lundi 03 avril 2006 06:05

Modifié le vendredi 04 avril 2008 19:38

.

.
Mohamed Abdelkrim El Khattabi, l'Emir guérilléro.mercredi date_jnum6 avril 2004, par Agafay BENNANA




Tant d'années après la fin de la grande guerre du Rif et quarante ans après le décès de son premier protagoniste, l'Histoire des guerres du Rif et du leader rifain continue de susciter l'intérêt et d'attiser les passions.

Le Rif, berceau de paysans fiers, ayant le sens de l'honneur et attachés à la dignité et la liberté s'est élevé contre les occupants espagnols et français. Au c½ur de l'événement, une famille avec à sa tête celui qui allait devenir l'Emir du Rif, le précurseur de la guérilla, celui que l'Histoire allait retenir sous le nom d'Abdelkrim. Avec ce dernier ouvrage, fruit de plusieurs années de travail, l'auteur s'éloigne des livres de droit auxquels il nous avait habitué et revient à sa formation de base, en sciences politiques, pour nous livrer une lecture politique de l'Histoire revisitée de la révolution rifaine. Les révolutions ne sont pas toujours romanesques, pourtant dans celle-là le merveilleux se confond avec la vérité, la légende avec l'Histoire, le mythe avec la réalité au point que cette dernière dépasse le mythe. Abdelkrim fut-il un personnage de fiction ou bien réel ? De prime abord, le contexte et le décor sont plantés, dans ce rif du début du 20e siècle, ravagé par les sécheresses, pauvretés et autres fléaux. Siècle de la consécration des colonisations et des luttes d'indépendances, où les rifains sont pris en proie entre les Espagnoles et Bou Hmara. Comment se prépare et s'engage la pénétration étrangère ? Quels étaient les moyens des rifains ? leurs contraintes, leurs faiblesses et leurs atouts ? Comment un homme de droit, un intellectuel, un homme de paix allait-il se retrouver porté par le cours de l'Histoire en levant les armes contre deux puissances européennes modernes de l'époque ? Quelle fut sa vision pour la promotion et le développement du Rif ? Quel fut le secret des réussites et victoires Rifaines ? pouvait-il y avoir une autre issue à la révolution Rifaine ? pourquoi Abdelkrim ne s'est-il pas attaqué à Melilla, ni à Fès, qui étaient pourtant à sa portée ? Autant de questions et bien d'autres indispensables pour comprendre la révolution Rifaine. Ce livre préfacé par la fille de Mohamed Abdelkrim El Khattabi, Aïcha, conseillère à la récente fondation du même nom, est un premier tome, sur la question, qui devrait être complété par deux autres l'un sur « L'Emir et les instituions rifaines » et l'autre sur « l'Emir et l'exil ». Avant d'en arriver aux événements de Jebel El Qama, D'har Oubarane, Sidi Driss, Igheribene, Annoual, Jebel Aroui, Dar Kebdani et Selouane, etc., le livre se penche sur les résistants rifains, la question du pouvoir et des règles sociales dans le Rif de l'époque, la consistance des amitiés entre la famille Abdelkrim et certains Espagnols, la politique espagnole dans le Rif, puis comment et pourquoi se fait la rupture entre la famille Abdelkrim et les Espagnoles ? Abdelkrim avait un projet de société, des ambitions de paix, de progrès et de développement pour le Rif dans le cadre d'un partenariat avec les Espagnoles qui restaient sourds à ses appels. Livraison espagnole donna lieu au premier combat d'Abdelkrim et au fur et à mesure de la progression espagnole la résistance rifaine s'organisait, jusqu'à donner naissance à des méthodes de luttes inédites en l'occurrence la guérilla, qui servit d'exemple à d'autres : Che Guevara, Ho Chi Minh, Mao Tsé Toung... Comment les Rifains étaient-ils traités par les soldats espagnols et, inversement, comment les combattants rifains traitaient-ils les prisonniers ? Quelles étaient les injonctions de l'Emir rifain ? Qu'est ce que l'esprit du serment de Jebel El Qama ? Quel fut le secret de la réussite du projet d'Abdelkrim ? Abdelkrim triomphant souhaite engager des discussions et négociations pour la paix avec les Espagnols, mais en vain. A contrario, il dut faire face et réduire Raïssouli, qui ne veut pas se rallier à lui et préfère s'engager aux côtés des Espagnols dans le pays Jebala. Le combat s'étend également vers le Sud, dans la zone occupée par les Français. Abdelkrim n'était plus une simple et hypothétique menace pour l'autorité des Espagnols puis des Français, il était le danger et, au-delà, le symbole de et pour tous les peuples colonisés. C'est pourquoi, il fallait le neutraliser, quitte à employer tous les grands moyens y compris les armes chimiques prohibées par le droit international. Que pouvait faire le chef rifain face au surarmement de l'ennemi, aux avions et aux bombes chimiques qui du ciel semaient la mort et la désolation en s'abattant sans distinction sur les populations, les animaux, la végétation ? La sagesse de cet homme le conduit à négocier la paix et sa reddition à des conditions qui ne furent pas respectées par les Français. C'est ainsi qu'il se retrouva en résidence surveillée à l'île de la réunion avant de s'échapper et de s'exiler au Caire d'où il poursuivit le combat sous d'autres formes. Les enseignements à tirer de la pensée et de la conduite de Mohamed Abdelkrim El Khattabi sont immenses et encore d'actualité. Ce livre y contribue pour une partie. La lecture en est à la fois aisée, claire, agréable et utile. A quand la suite ? Avec impatience !

Moulay Abdelkrim El Khattabi de Mimoun Charqi, 196 pages.

# Posté le samedi 01 avril 2006 18:46

Modifié le lundi 10 avril 2006 07:53